معسكر المنيا 2017

يوليو 2017

(العلاقة بين المركز والهامش: السُلطة والتنمية والعدالة المكانية)

كان قرار فريق مبتدأ هو اختبار شكل مختلف من ورش العمل لتنتظم هذه المرة على هيئة معسكر مغلق لمدة 11 يوم ومحاولة تتبع كيف يمكن أن تختلف ديناميكيات التعلم، وكيف أن توفر الوقت خارج مساحة الجلسات المعرفية يمكن أن يسهم في بناء علاقة مختلفة بين المشاركين ويساهم في تشارك أكبر للخبرات والمعارف وإيجاد مساحات للمرح أيضًا. لم يكن هذا التغيُر الوحيد، إذ قررنا كذلك الخروج من العاصمة وعقد نشاطنا في الصعيد، ليس فقط للوصول لعدد أكبر ممَن ليس لديهم الفرصة للمشاركة في هذا النوع من الأنشطة والفعاليات، بل أيضًا لمحاولة اختبار المعرفة المقدمة في أماكن وسياقات مختلفة

تطلّبت خطوتنا تلك المزيد من التمويل لتغطية التكاليف، وبالفعل كنا تقدمنا بطلب إقامة ورشة عمل ضمن برنامج المنح الصغيرة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، ومقره بيروت، وحالفنا الحظ بالقبول فيه، الأمر الذي مكننا من إقامة المعسكر. حاولنا تطوير استمارة تقديم مختلفة هذه المرة، وسعينا لاستهداف متقدمين من أهالي الصعيد بمحافظاته المختلفة، والنتيجة كانت مبشرة للغاية باستقبالنا 250 طلب اشتراك، من كافة مناطق مصر؛ من جميع محافظات الصعيد ووجه بحري والقاهرة الكبرى، وسيناء الجنوبية والشمالية والوادي الجديد. بعد مجهود كبير لاختيار المشاركين ومراعاة قدر من التنوع، وقع الاختيار على 13 مشاركًا، أتوا من 11 محافظة مختلفة، بما فيها الصعيد والبحر الأحمر والعريش والواحات والغربية. ضَمَن لنا هذا الأمر تجربة مختلفة مع المشاركين، وتنوع كبير وتنوعًا كبيرًا؛ إذ أتى كل مشارك من خلفية وسياق اجتماعي وثقافي مختلف عن الآخر

قصدنا في اختيار موضوع المعسكر أن يكون ذا أهمية وارتباط بحياة المشاركين، وأن يمس حياتهم اليومية ولديهم بشكل أو بآخر خبرات وتجارب تتعلق به . ولذلك جاء موضوع “العلاقة بين المركز والهامش: السُلطة والتنمية والعدالة المكانية“، كموضوع حاضر بشكل قوي في حياة المشاركين، بما أنهم من غير أهالي العاصمة. فجميعهم يضطرون أو يستشعرون حاجة للذهاب والتواجد في العاصمة، إما لقضاء مصلحة أو للحصول على فرصة لا تتوافر لديهم في مكان سكنهم الأصلي. وكان من المُثري أيضًا الاستماع والاشتباك مع تجارب ومواقف مختلفة لهذا الموضوع، فمشارك من المنيا أو من الغربية قد يحمل انطباعات مغايرة عن مشاركة من العريش أو مشارك من الواحات عن علاقتهم بالقاهرة. كان من المهم كذلك مقاربة موضوع العلاقة بين المركز والهامش من مستويات مختلفة، بحيث لا تقتصر على علاقة العاصمة والمحافظات، فهناك مستويات أخرى للعلاقة بين المدينة والريف، والمراكز والقرى، وغيرها من المستويات المكانية، أو مستويات تنسحب على علاقات اجتماعية وطبقية وثقافية وغيرها

سعينا لفهم واستكشاف هذه العلاقات عن طريق مداخل معرفية مختلفة، بحيث تخدم هي الأخرى الموضوع المطروح، وبحيث تربط نقاشنا بمفاهيم السُلطة والتنمية والعدالة المكانية، فكانت المجالات المقدمة في المعسكر؛ الجغرافيا البشرية والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع والتاريخ وأخيرًا الفلسفة. بعض هذه المجالات كنا نختبر تقديمها لأول مرة في ورش مُبتدأ، حيث يختلف اختيارنا للمجالات المعرفية باختلاف موضوع الورشة، وتأتي اختياراتنا لتخدم الموضوع بشكل أفضل، وتكون أكثر ارتباطًا به

حاولنا في تحضيراتنا للمجالات المعرفية المختلفة تضمين أنشطة مختلفة أكثر تفاعلية تساعد المشاركين على الاشتباك مع بعض الأفكار النظرية المطروحة، أو مُحاكاة الواقع الاجتماعي بتعقيداته الكبيرة. في علم الاجتماع، قام كل من ريم نجيب وأحمد الجيزي، مُيسّرا الحقل المعرفي، بتصميم لعبة “جري الوحوش” التي تُحاكي النظام الاجتماعي والاقتصادي وفيها تمثيل لمفاهيم مثل رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي والطبقة وغيرها من المفاهيم. أما في الجغرافيا البشرية، فكان نشاط مبني على محاولة كتابة سيناريو تخيلي عن مسار رحلة بنت بطوطة (شخصية خيالية)، حفيدة ابن بطوطة، التي تعيش في عصرنا الحالي وتحاول تتبع مسار جدها الأكبر، ويحاول المشاركون التفكير في المعوقات التي يمكن أن تواجهها مثل عبور الحدود والحصول على تأشيرات السفر والإجراءات الأمنية الأخرى. كذلك كان المدخل للاقتصاد السياسي في شكل حكاية لصيّاد يعمل بشكل تقليدي وبعد فترة يبدأ عمله في التحول لنمط إنتاج حديث، بحيث حاولت الحكاية الوقوف على مراحل مفصلية في هذا التحول ودلالاته. وكذلك قمنا بنشاط لقراءة الموازنة العامة للدولة، وكانت مهمة المشاركین استخراج بیانات الإنفاق على قطاعات مختلفة من الموازنة والموجهة لمحافظات مختلفة من أجل مقارنتها مع مثیلاتها في العاصمة، وفتح نقاش حول دلالاتها. واستطاع المشاركون استیعاب المفاهیم المختلفة والتفكیر بشكل نقدي وسیاسي في ما وراء هذه الأرقام

تباينت الفروقات العمرية بين المشاركين وأيضًا خبراتهم في الحياة. فمنهم من شارك بمعسكرات من قبل ومنهم من كانت المرة الأولى التي يبتعد فيها عن أهله، منهم من اشترك في أنشطة تطوعية ومنهم من عمل في وظيفة أو أكثر لكسب العيش. رأينا كيف غُزلت هذه الخبرات والتجارب المتنوعة مع محتوى المجالات المعرفية، وساهمت في تيسيرها بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، لاحظنا تجاوبًا وقدرة على الارتباط أكبر ببعض مفاهيم واقترابات الاقتصاد السياسي لدى مشاركَين اثنين كان لديهما تجربة عمل سابقة، أحدهما في محجَر والآخر في مصنع، فأصبح هناك نوع ما من الإنتاج المشترك للمعرفة. تضعنا هذه التجارب والخبرات التي يحملها المشاركون أمام محك يتحدى المقولات الضمنية التي ينطلق منها التعليم الرسمي في اعتماده على التلقي السلبي للمعلومات، والهيراركية التي تفترض معرفة المعلم وجهل التلميذ

سمح لنا المعسكر، بما يوفره من وقت ومساحة للتعايش بين المشاركين وخلق مجتمع مترابط بينهم، بالقيام بعدة أنشطة أخرى إلى جانب تقديم المحتوى المعرفي. فتنوعت أنشطتنا الأخرى في أيام المعسكر ما بين فقرة رياضة صباحية وأمسيات ليلية ترفيهية وأخرى لتشارك الخبرات؛ إذ شاركت غصون توفيق مع المشاركين موضوع رسالتها للماجستير حول استثمار الأهالي من الفلاحين بإدراج أبنائهم في التعليم الرسمي، وفتحت معهم نقاشًا حوله. وفي جلسة ليلية أخرى عقدنا نقاشًا مفتوحًا حول موضوعين استشعر المشاركون حاجة لمناقشتهما؛ إذ اقترح بعضهم مناقشة موضوع “التنمية البشرية” وآخرون اقترحوا موضوع “المسئولية المجتمعية للشركات”. في محاولة كذلك للتعرف على المنطقة التي نزلنا بها، خرجنا في زيارة لآثار بني حسن في قرية تابعة لمركز أبو قرقاص، وزيارة أخرى لمدينة المنيا والاستمتاع بجولة نيلية فيها. خلقت هذه المساحات مجتمعة روحًا خاصة بين المشاركين، وسمحت بتعزيز بيئة التعلُم الخاصة بهم يومًا بعد آخر

في أحد الأنشطة الليلية، قمنا بتقسيم المشاركين لمجموعات أصغر يتشاركون فيها خبراتهم وآمالهم وخططهم القريبة، بحيث أصبحوا واعين باهتمامات بعضهم البعض واحتياجاتهم. فكانت تلك اللقاءات بذرة لتشاركهم الاهتمامات عن طريق مجموعة على فيس بوك، وامتدت إلى تواجدهم في فعاليات بعد انتهاء المعسكر مثل فعالية “بالعربي فلسفة” التي عُقدت بالجامعة الأميركية بالقاهرة وشارك في تقديم أحد جلساتها شريف سالم الذي شارك في تيسير مجال الفلسفة بالمعسكر. ترى مُبتدأ أنها تساعد على تشكيل مجتمعات من المهتمين باستكشاف معارف ومسارات للتعلُم خارج إطار المدرسة

خصصنا آخر يومين في المعسكر للتدريب على المخرجات، بحيث اختار كل مشارك مسارًا من بين ثلاثة مسارات تدريبية؛ الكتابة الإبداعية والحكي المسرحي ورسم القصص المصورة (الكوميكس)، وكان الأخير يقدم لأول مرة في هذا المعسكر. مرة أخرى، ساعدنا كثيرًا الوقت المتوفر خلال اليوم وطبيعة المكان على خلق شبكة دعم بين المشاركين وبعضهم في التدريب عن طريق إبداء آرائهم في أعمال بعضهم البعض في مساحة آمنة من الانتقاد والحكم، وتقديم الدعم عند تخوف البعض من عدم قدرته على إنتاج أفضل ما لديه وأيضًا تقديم المساعدة في التدريب على تقديم المخرج النهائي بيوم العرض. واستضافت كلاود (مساحة عمل مشترك) بمدينة المنيا العرض الختامي للمعسكر باليوم الأخير