المرحلة الأولى

 

ورشتا نوفمبر وديسمبر 2016

(المدينة والمواصلات والمساحات العامة)

بعد أن أمضينا ثلاثة أشهر من إعادة التفكير والترتيب لأول ورشة لمُبتدأ، قررنا عقد ورشتين تجريبيتين كمرحلة أولى قبل الذهاب إلى الورشة المطولة. كل ورشة تجريبية امتدت لثلاثة أيام، جاءت الأولى في نوفمبر والثانية في ديسمبر 2016. كان الهدف هو اختبار عدة عوامل؛ فالورشة الواحدة استضافت مشاركين مختلفين، وقدّمت 3 مجالات معرفية مختلفة، مع محاولة اختبار مدى جاهزية المحتوى المقدّم، وارتباط المجالات ببعضها البعض بحيث نحاول ترسيخ فكرة بينية العلوم وتشابكها وتكاملها، وكذلك اختبار مدى تفاعل المشاركين مع ذلك المحتوى وانخراطهم في العملية التعلُمية ككل

كخطوة أولى، وقفنا أمام مسألة المشاركين وكيفية الوصول إليهم. قررنا عندها أن يكون الاشتراك في الورشة مبنيًا على استمارة تقديم تُنشر في أوساطنا وعليها يتم الاختيار بشكل أساسي، لتسمح لنا بقدر من التعرف على الشخص المتقدم، إذ حاولنا في الأسئلة المطروحة أن تسمح لنا بقدر من التجول داخل حياته واهتماماته، ومعرفة الدوافع وراء مشاركته بالورشة. استهدفنا لكل ورشة 15 مشاركًا. تلقينا في هذه المرحلة من التقديم أكثر من 60 طلب مشاركة، ومع ذلك انتهى بنا الحال بحضور 8 مشاركين فقط في كل ورشة تقريبًا. لنكتشف أثناء عملية اختيار المشاركين وقبولهم بأن لديهم التزامًا تجاه الحضور في المدرسة، خاصة امتحانات الشهر، والدروس الخصوصية التي تشكل عبئًا كبيرًا عليهم وضغطًا لأوقاتهم مما يحد من قدرتهم على المشاركة في العديد من الأنشطة غير المدرسية. عمدنا إلى سؤال المتقدمين حول المجال الأكثر إثارة لاهتمامهم، بحيث وُزع المقبولون على الورشتين بناء على اختياراتهم؛ ففي ورشة نوفمبر تناولنا مجالات نظرية المعرفة والتاريخ والأنثروبولوجيا، وفي ورشة ديسمبر تناولنا مجالات نظرية المعرفة والعلوم السياسية والجغرافيا النقدية

بتمويل ذاتي متواضع وتجهيزات بسيطة عقدنا الورشتين التجريبيتين بالقاهرة الإسلامية، حيث استضافنا مركز دراسات الحضارة المصرية بمقره الكائن في الغورية، وكان لطابع المكان وتاريخه أثر كبير على خبرة المشاركين في الورشة. إذ فتحت شوارع القاهرة الإسلامية بتاريخها الغني وطبقاتها المتعددة أفقًا أوسع لتجربة المشاركين، بحيث بدأنا إحدى الورش بجولة حرة في شوارعها وطلبنا من المشاركين أن يستحضروا كافة حواسهم، وتسجيل انطباعات المشاركين لدى عودتهم.  

إحدى الأهداف التي نراعيها في ورشنا أن نُقدم معرفة مرتبطة بالمكان والبيئة التي نعمل فيها ويأتي منها المشاركون، إذ أننا نؤمن أن للمشاركين تجارب حياتية أصيلة ناتجة عن خبراتهم ومعارفهم وتأملاتهم ونسعى لاستحضارها وجعلها تتشابك مع المعرفة المطروحة. وبما أننا عقدنا الورشتين التجريبيتين في القاهرة، فاخترنا موضوع “المدينة والمواصلات والمساحات العامة” كمحور للنقاش، فمثلا في الأنثروبولوجيا، قام المشاركون لدى عودتهم لمنازلهم من إحدى أيام الورشة بعمل إثنوغرافيا عن المواصلات التي استخدموها باختلافها من مترو وتاكسي وأتوبيسات نقل عام، وعرضوا علينا باليوم التالي كتاباتهم التي عكست وعيهم بدورهم ووضعهم كملاحظين وباحثين واستيعابهم للمكان والوقت ورصد محادثات مع بعضهم البعض ومع السائق ومعهم شخصيًا، إلى جانب تفاعلات مروا بها أو مشاهد وقعت أثناء رحلتهم. وجاءت كتاباتهم على شكل حكايات تعكس تحول ما هو عادي وغير ملاحظ بالنسبة إليهم في حياتهم اليومية إلى تجربة جديرة بالتأمل

في الورشتين، بدأنا بتقديم نظرية المعرفة كونها تفتح الباب للتساؤل حول طبيعة المعرفة التي يتعرض لها المشاركون ودفعهم للتفكير في الطرق التي نكتسب من خلالها معارفنا وخبراتنا الحياتية. فقمنا بنشاط “الكائن الفضائي” الذي لا يعرف أسماء الأشياء، ويحاول المشاركون فيه اختيار شيء من الغرفة ليبدأوا معه تحدي تبسيط صفات الشيء ولونه واستخدامه. ويمثل هذا النشاط  نموذجًا لتعلم مهارة التفكيك، وذلك للمفاهيم والأسماء ومحاولة الوصول إلى تراكيب لغوية بسيطة تصف وظيفة الأشياء من حولنا

أما في مجال الجغرافيا النقدية، فقمنا بنشاط متمحور حول جواز السفر، وذلك كمدخل لمناقشة مفاهيم تقع في مساحة مشتركة من الجغرافيا والعلوم السياسية.  قمنا في هذا النشاط بمقارنة جوازات سفر الدول المختلفة، من حيث قدرتها علي العبور لدول أخرى، وتتبعنا مسارات جوازات سفر عدد من الدول، باستخدام لوحة لخريطة العالم والخيوط والدبابيس. كانت المحصلة أن المشاركين أنتجوا خريطة تفاعلية بالألوان توضح القوة النسبية لكل جواز سفر. ساعدنا هذا النشاط بعد الانتهاء منه على فتح نقاش حول الحدود بين الدول وطبيعتها وما يترتب عليها، وحرية الحركة والتنقل من مكان لآخر

ساهم عقد الورشتين التجريبيتين في بلورة أفكارنا أكثر عن تقديم المجالات المعرفية عن طريق الأنشطة والنقاشات المعرفية المشتبكة مع خبرات المشاركين